منح بملايين الدولارات تتسرب في “هواء حلوان الملوث”.. وماڤيا مصانع الأسمنت تبتلعها

أرشيــــفيه

تقرير – عمر رضا

 

بينما يسيطر التلوث على سماء حلوان بشكل لافت، فإن تقريرًا حكوميًا كشف أن ملايين الدولارات قد تم انفاقها على مصانع الأسمنت في المنطقة الواقعة جنوب القاهرة، والتي كانت مزارًا سياحيًا قبل عقود لنقاء جوها.

 

فقد أكد تقرير حصلت “بوابة حلوان تتحدث” على نسخة منه، حصول وزارة البيئة على منحة قدرها 179 مليون دولار، مقدمة من البنك الدولي وبنك الاستثمار الأوروبي واليابان وفرنسا لمشروع التحكم في التلوث الصناعي للمنشآت الصناعية قدم في صورة حزمة تمويلية منذ عام (2007 وحتى 2012) مقسمة بين (20% منحة و80% قرض)،

 

وكان الهدف من هذه الأموال توفيق أوضاع عديد من المصانع بيئيًا. 
وبعد الاطلاع على التقرير الذي يصدر سنويًا عن وزارة البيئة، منذ عام 2008، والمنشور على الموقع الرسمي للوزارة، تبين أن مشروع التحكم في التلوث الصناعي قدم ملايين الدولارات لمصانع الأسمنت الموجودة بجنوب القاهرة (القومية، طره، حلوان) لتنقية الهواء من الأتربة، ولكن فشل المشروع في تحقيق هدفه، وتم إهدار الأموال، والتلاعب بها.

 

ووفقًا للتقرير، كان من المفترض أن ينتهي المشروع في عام 2012 إلي أن وزارة البيئة قامت بمد فترة المشروع لمرتين، حتى عام 2015، ومن اشتراطات البرنامج، أنه لابد أن يؤدي إليى توفيق أوضاع الشركة مع القوانين البيئية في مجال تلوث الهواء والماء وتحسين إدارة المخلفات الصناعية.

 

وكان مقرر أن يحقق المشروع تخفيضًا قدره 50% علي الأقل من الحمل الكلي لواحد علي الأقل من الملوثات المستهدفة ذات الأولوية، وهو ما لا يحدث علي أرض الواقع، ولا يراه أهالي حلوان الذي يعانون- وفقا لتقارير طبية- من تحجر رئوي وحساسية صدر، نتيجة لاستنشاق تراب الـ”باي باص” الناتج عن مصانع الأسمنت.

 

يشير تقرير حالة البيئة للأعوام المتتالية من 2008 وحتى 2015، إلى حصول الشركة القومية للأسمنت، علي مبلغ 15.5 مليون دولار، من أجل “إضافة معدات جديدة للحد من الأتربة والتلوث”، فيما حصل مصنع طره للأسمنت على 20 مليون دولار، للغرض نفسه، أما شركة أسمنت حلوان فقد حصلت على 3 ملايين دولار لاستبدال الوقود بالغاز الطبيعي.

 

في عام 2009، صدر تقرير حالة البيئة موضحًا حصول “القومية للأسمنت” علي مبلغ 15.5 مليون دولار، للغرض السابق ذكره “إضافة معدات جديدة للحد من الأتربة والتلوث، وتوريد وحدة شفط الأتربة ووحدة نظافة”، فيما حصل مصنع طره علي 20 مليون دولار، أما أسمنت حلوان علي 14.5 مليون دولار.

 

في تقرير حالة البيئة لعامي (2014،2015) كما ورد علي موقع الوزارة، أقر التقرير بحصول القومية للأسمنت على 17.7 مليون دولار، لتركيب “فلاتر” نسيجية لخطي الإنتاج رقمي 3و4.

 

يقر المهندس عصام عاشور، عضو مجلس إدارة شركة طره للأسمنت سابقًا، ورئيس جمعية العاملين بالشركة حاليًا، إن مصانع الأسمنت الثلاثة (حلوان، طره، القومية) بمنطقة جنوب القاهرة، أفرانها قديمة، والتلوث الناتج عنها مستمر وسيستمر، حتى وإن عملت بكفاءة كاملة، فهي مصانع متهالكة، وأحدث تطوير تم بها كان منذ عام 1983، ولم تر أي جديد منذ ذلك الوقت.

 

يقول المهندس أحمد تهامي، مسئول إدارة العلاقات الاجتماعية بمجموعة الأسمنت “القومية، طره، الأسمنت”، ومراقب البيئة السابق بالمجموعة، إن هناك فرقًا بين التلوث المرئي وغير المرئي، فالجسيمات العالقة بالهواء، نستطيع تحملها والتغلب عليها، وبالتالي فإن التلوث المرئي الناتج عن مصانع الأسمنت هو أقل خطورة من الناتج عن مصانع “الكوك”، مشيرًا إلى أن الملوثات الغازية أكثر ضررًا من غيرها على الإنسان.

 

ويؤكد تهامي -مراقب البيئة السابق بالمجموعة، أن مشروع التحكم في التلوث الصناعي، والمبالغ التي يتم تخصيصها لمصانع الأسمنت، يتم توجيهها لتركيب فلاتر للسيطرة على التلوث وتنقية الهواء من الأتربة، كما تقوم الفلاتر بدورها بجمع تراب الـ”باي باص”، ثم تقوم الشركة بدفنه في مدافن أمنة بناءً على الاتفاق مع وزارة البيئة، مشيرًا إلى أن الأزمة الحقيقية في حركة الرياح التي تسبب الضباب الذي يراه الناس ويظنون أنه هواء ملوث.

 

يوضح تهامي، أن الشركة القومية للأسمنت، تعد الأكثر تلوثًا بين الثلاثة، لأنها شركة قطاع عام ولديها مشاكل في إدارتها وأزمات مالية، وبالتالي فإن تلوثها يعد الأعلي، قائلًا: “وزارة البيئة ليس بها فساد ولا الشركات فاسدة، أنا قدمت مشروعًا لتركيب فلاتر في شركة طره للأسمنت، وتم التركيب وتابعت عملها، وممكن تسألوا في الرصد البيئي، للتأكد من صحة ما أقوله”.

 

الدكتور مجدي علام، الخبير البيئي طالب بضرورة قيام كافة المصانع بتطبيق خطط الالتزام البيئي، واستخدام تقنيات الإنتاج الأنظف، وضمان توفير الموارد البشرية والمالية والفنية، واستخدام مصادر الوقود الجديدة والمتجددة، بما يضمن توفيق أوضاعها على المدى البعيد.

 

يعتبر علام، أن مصانع الأسمنت (القومية، طره، وأسيك) من أخطر مصادر التلوث، ومن أهم مصادر الجسيمات العالقة بالبيئة، بالإضافة إلي تراب الـ”باي باص”، الناتج عن صناعة الأسمنت، والذي يبلغ نحو ألف طن يوميًا، تبقى عالقة في الجو لفترات طويلة نظرًا لصغر حجمها.

 

 

 

استمرار المناخ الحار الجاف بمنطقة حلوان يسبب إجهادًا للإنسان في ساعات العمل، في ظل تلوث الهواء بالأتربة العالقة والغازات الضارة المنبعثة من الصناعات بالمنطقة، وفقا لعلام، بالإضافة إلي أن طبيعة اتجاه الرياح تحمل الأتربة من محافظة القاهرة لتلقيها بمنطقة حلوان لتضيفها إلى هواء المنطقة بملوثات محلية، مشيرًا إلي أن قلة سقوط الأمطار ساعدت علي عدم ازدهار الغطاء النباتي بالمنطقة، مما أدى إلى ثبات نسب التلوث لفترات زمنية طويلة.

 

يوضح الدكتور محمد الزرقا، الخبير البيئي الدولي، أن المخلف الناتج عن مصانع الأسمنت تراب الـ”باي باص”، خطر علي الصحة العامة، وأكثر المتضررين منه سكان حلوان، نظرًا لوجود ثلاث مصانع أسمنت تعد الأخطر في تاريخ هذه الصناعة.

 

يؤكد الزرقا، أن وزارة البيئة في خطتها لتوفيق أوضاع المصانع الأكثر تلوثًا، ألزمت مصانع الأسمنت بتحسين أوضاعها من خلال وضع “فلاتر” لحجز خروج تراب الـ”باي باص” إلى الهواء الطلق، بما يحافظ علي صحة المواطنين، لكن الأزمة هنا كانت قيام أصحاب المصانع يوميًا بتنظيف الـ”فلاتر” في الشوارع بجانب المصنع، قائلًا: “يعني من الآخر أي حبة هواء هيطيروه ويتعلق بالجو ويشمه الإنسان..وكأنك يابو زيد ما غزيت”.

 

مصانع الأسمنت هي مصانع حكومية، وهذا يُلزم الحكومة بتحمل المسئولية كاملة في توفيق أوضاعها وحل مشكلاتها وتوفير الرعاية الصحية الكاملة لسكان المناطق المجاورة لها، كما يشدد الزرقا، على وجوب إلزام المستثمرين بمراعاة البيئة أثناء تنفيذ مشروعاتهم واستكمال العمل فيها.

عن Omar Reda

اضف رد

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.