” كلمة لأصحابها ” بقلم المستشار محمود الجمل

المستشار . محمود الجمل

المستشار . محمود الجمل

منذ أن تقادمت العهود ، وتعاقبت السنون والدهور ، وجاءت حقبة وراحت أخرى ، وتلك الأزمنة تحمل فى طياتها الخير والشر ، وتضمر فى جنباتها البراءة والوحشية ، وتنطوى فى مكامنها على الرقة والهمجية ، فمنذ أن بدأ الزمان على وجه هذه البسيطة المعمورة ، والخير والشر فيها متقابلان متصارعان ، يقوى أحدهما على الآخر فى حقبة ، ويضعف أحدهما عن الآخر فى حقبة أخرى ، ومضى الزمان على ذلك القانون الإلهى السماوى مستدبرا من مات من أهل الدنيا مستقبلا بوجهه من تدفعه الأرحام إلى الحياة . إلا أن الزمان قد استدار بوجه جديد بئيس غير وجهه ، وبثوب متهرئ مقيت غير ثوبه ، فالزمان الذى عهدنا فى دهوره وعصوره حضور الخير والصلاح فى ناحية ، والشر والفساد فى ناحية يخيل إلى اليوم أن ليس فيه إلا شر محض وفساد عريض، فطغا الشر وأهله وتكاثروا وتناسلوا وولدوا من ظهورهم كل فاجر كفار ، حتى صار الزمان فى ناحية واحدة من الشر بدلا من الناحيتين ، وبأناس على صنف واحد من الشر بدلا من الصنفين ، فالله المستعان على كل بلية ، وإليه المشتكى فى دفع كل رزية . وأهل الشر فى هذا الزمان طوائف متعددة ، فطائفة منهم قد اجتمعت فيهم كل الرزايا والبلايا حتى إنك لا تجد فى واحد منهم خصلة من خير ، فابتلاهم الله عز وجل بالعمى عن عيوبهم وبلاياهم ، فانصرفوا إلى الاشتغال بعيوب الآخرين ، فهم غارقون فى غيهم يتنزلون فى السفالات وينحدرون فى النجاسات فلا تخطر على خيالك بلية أو رزية إلا وجدتها فيهم ، ومع ذلك كله يتعامون عن عيوب أنفسهم ، ويتغافلون عن سوأتهم ولا يتكلمون إلا فى أغلاط الآخرين وعيوبهم وطائفة أخرى قد أهمتهم أنفسهم يظنون فى البشر أمامهم ظن السوء والجاهلية ، فليس لهم عمل ولا شغل سوى إساءة الظن فى الناس ، وإشاعة قالة السوء بين أفراد المجتمع ، والتخرص على البرآء العنت والسوء ، فيرمون الشرفاء والمفكرين بالجهل والنزق والحماقة ، ونقصان عقولهم وعلومهم ، والتأفك عليهم بأنهم ليسوا من أصحاب الشهادات والمؤهلات ، والتسور على محاريب القلوب والنيات التى لا يعلمها إلا الله ؛ ليدنسوا نيات أهل الخير والصلاح ، فيقولون فلان كذا ، وفلان يقصد كذا ، وفلان يريد كذا وكذا . وآخرون مرجون فى كلامهم لميعاد معلوم فهم يضمرون الشر لكنهم لا يتكلمون ؛ لأنهم ملجمون بالخوف والفزع ، فإذا فتح لهم باب الكلام فى أعراض الناس وحرماتهم تكلموا بالشرور ووقعوا على المتردية والنطيحة وما أكل السبع . وآخرون خداعون مزيفون ، لهم ظاهر يسر ، وباطن من دونه يضر ، فتجده فى حلة بهية وثوب مزركش بديع ، تفوح منه أطيب الروائح والعطور ، وقد بدا شعره أكثر لمعانا ، وقد انتفخ جسده فصار صاحب أكتاف عريضة ، وكرش متدل ثقيل ، فهيئته تسر الناظرين ، لكن إذا تكلم بين الحاضرين ظهر خبث طويته ، ونتن رائحته ، وفساد سريرته ، وجهله المركب العميق حتى إنه ليصير فى أعين الناظرين أحقر من الذباب وأهون من التراب . وآخرون قد عدموا العقل والفكر ، فهم من أهل الغباء والجهل ، ليس لأحدهم قيمة ، ولا يساوى الواحد منهم حفنة من تراب ، إذا تكلم لا يلتفت إليه ، وإذا فعل لا يؤبه له ولا يعول عليه ، فراح هذا الصنف من الناس يتسلقون أسوار العلم لينالوا المؤهل والشهادات ، وذلك من أجل الشهادات وحسب ، فلما حصل على ما يريد وتم له ما طلب ، قام مزهوا بنفسه ليهزأ بالناس من حوله ممن هم أفضل منه علما وفكرا وعقلا وأدبا فهذا زمن عجيب يصير فيه اللبيب حيران ، قد انقلبت فيه الموازين وتبدلت فيه المثل والأخلاق ، وأهله هم أسوأ من فيه ، وقد صدق المتنبى عندما قال ودهر ناسه ناس صغار … وإن كانت لهم جثث ضخام أرانب غير أنهم ذكور … مفتحة عيونهم نيام .

عن Omar Reda

اضف رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.